


اهــــداء
…..الى الشــــــيخ يوسف ريان /
ابوعمــــــر …………………
.. وهى تخـــرج أنفاســــها الاخيرة … قرأت القرآن على روح أمى .. وظل صـــوتك يســـــبح فى فضــــاء المكان .. حتى حضرت الملائكة .. وصعدت بروحها الى الســـــماء …….
…… متعك الله بالصحـــــة .. وهدى لك ابنك .. قرة عينك ..
… آمـــــين …………………………..
…. صلاح المقـــاول …..
************************************************************
….. ريحــــة القسيس …..

….. بعد العشـــــاء كانت جلســــتنا تحت شــــــجرة الجمـــيز .. القريبة من شط الترعة الجنوبى .. المتجة بعرض القرية .. نحو بحر كفر الزيات …… 
.. عندما يشــــتد البرد .. كنا ندخل العشــــة التى بناها جدى أبو اسماعيل حسنين .. من الطين .. وحطب الذرة الجاف .. وبعض فروع الاشجار … لتقينا من برد الشتاء .. ولســـعة شمس الصيف وقت الظهـــيرة …….
… كان معى .. عارف ابن عمى .. وزيدان الحلاق .. وانضم الينا بعد ذلك الحاج عبد الرحيم محمود ناظر المحطة .. والشــيخ يوسف ابو عمر شـــــيخ الجامع .. الذى حضر بعد ان أغلق الجامع عقب صلاة العشــــاء …
… وضعنا بعض كيزان الذرة فى النار … على حين وضع عارف ابن عمى .. براد الشـــــاى على بعض الجمر …
… خــــرير مياة الترعة .. وهى تجرى ببطئ … وصوت أعواد الهيش … على شط الترعة وهى تتمايل من فعل الهواء .. ونقيق الضفاضع فى صمت الليل الذى يخيم على الدنيا … والنجوم الســــابحات فى الافق البعيد .. والقمر بديع مكتمل .. كأنه كلوب وضع فى كبد الســــماء ….. دائرة كبيرة رائعة من النور … تتابعك اينما ذهبت ………………
.. فجأة ينطق زيــــدان الحلاق بعفـــويه وهو ينظر الى الســـماء .. انه رأى القمر هكذا أمس فى العامرية .. على حدود الاسكندرية .. عندما كان فى زيارة اخته سناء وزوجها ابراهيم .. الذى عزمه على عشــــــاء فى احدى حقول العنب ….
……. ســــــبحانك جل شـــــانك الدنيا ملك يمينك … قالها زيدان الحلاق ……. ثم تبعه الحاج عبد الرحيم محمود .. ناظر المحطة .. وكان عنده من العلم ……..
…… والســــــــــابحات فى الفلك .. كل هذا ياربى لك قلت لعارف ابن عمى وانا احاول مجاملة الحاج عبد الرحيم محمود ناظر المحطة .. الذى لا يتأخر عن خدمتنا عندما نذهب اليه فى المحطة لطلب تذاكر .. او لشحن اقفاص الفواكهة الى القاهرة …
.. وضب حجر معســــل لابوك الحاج عبد الرحيم يا عارف … وحط له بصــــاية نار كويســــــة ….
.. ربت الشــــيخ يوسف على كتفى بود … وهو ينظر الى نظرة حنونه من عينيه الدائريه الصغيرة … التى اكلها الزمن .. فازدادت صغرا .. وذبلت جفونها … وقال … :
… الله يرحم والدك يا محمود يا ابنى …… كانت جلســـتنا هنا على طول ….. فى الصيف بعد العشـــــا نجتمع فى المكان ده .. وكان جدك ابو اسماعين حسانين الله يرحمه .. كل طلعة قمر يدبح لنا خروف … وســـاعات معــــزة …
… يســــأل زيدان الحلاق .. وهو يضحك …
… أنهــو الاطيب يا ابا الشـــــــيخ يوســــف .. لحم الخــرفان .. ولا لحم المعـــيز .. ؟
يضــــحك الشــــيخ يوسف … ثم يعدل العمامة ويجيب ….
…… لحـــم الخــــرفان ده الضــــانى كله … والدســــم كله .. لو بيرعى فى الارض .. وواكل من خيرها … أما لحم المعـــيز يا اسطى زيدان …..
يضـــــحك الجميع ………. ويواصل الشيخ يوسف الكلام وهو يبتســــم …
… لحم المعيز .. الحلاوة والطراوة … حاجة كده تدوب فى الحنك … الله يرحم الجميع .. ويرحم ايامهم .. كانت حلوه وكلها خـــــير …….
.. يســـأل الحاج عبد الرحيم محمود ناظر المحطة .. وهو ينفث دخان الجوزة فى الهواء …..
…. ابنك عمر عمل ايه يا شـــيخ يوســـــــف .. ؟؟
يتنهد الشـــيخ يوســـف .. ويقطب حاجبيه .. ويشبك اصابع كفيه .. ويقــول ..: الواد ســـــافر ياحاج عبد الرحيم .. سافر بره علشـــان يكون نفســــه … فاتنى وراح .. وانا ماليش غيره .. قلت له خليك معايا شوية يمكن اموت من غير مااشوفك .. أصر على السفر .. وقال لى …. يابه البلد ما بقتش تســـــر حد … وانا أتخرجت من المعهد اديلى سنتين من غير شـــغل .. قعدت الراجل من غير شغل ذل يابه ..عاجبك كده قعـدتى ….؛؛؛؛
.. سيبته يســــافر على عينى .. بس قلت له .. الا الخمر ياعمر .لا تشـــربه .. ولا تقدمه .. حرام يا ابنى …. ولا تقطع صلاة .. واذا الفراخ واللحمة مش متأكد انها مذبوحه اسلامى .. ســــم الله وكل .. الدين يسر يا ابنى ……. وســافر .. وربنا يهدى الجميع .. ويجيب الغايبين بالســـلامة ….
ونزلت من عينيه دمعـــة ……. كان الشيخ يوسف امام جامع القرية . قد وافق على ســـفر ابنه الوحيد عمر .. للعمل فى الخارج .. وكان كلما ذكرت ســــيرته .. أو تذكره يبكى .. واحيانا تنزل دموعة رغما عنه .. فقد كان يشـــعر بدنو اجله .. وكثيرا ما كانت تأتيه الهواجس أنه لن يراه ثانية …… خيم على الجلســـة مســـحة من الحـــزن والصمت .. فأردت أن أقطعهــا . فقلت وانا ابتسم ….
…. يابــه الشـــيخ يوســــــف …..
.. خــــير يا محمود يا ابنى ….
… بالله عليك يا شـــــيخ يوســـــف .. علشــــــان خاطر الحاج عبد الرحيم … تحكى لنا يوم نزلت طنطـــــــا ســوق الاثنين أنته وأبويا الله يرحمه … علشـــان تبيعوا الجاموســــة .. وقعدتم يومين غايبين عن البلد ….. والنبى يا شـــــيخ يوسف ……
يمســـح الشــيخ يوسف دمعة كانت قد نزلت بغته على خده .. وابتســم نصف ابتسامة …
.. يا واد يا محمود بطل بقــــه … ؛؛؛
… والنبى يا شـــــيخ يوســــف ….
.. اللهم صلى عليك يا نبى ….. يا واد بلاش فضايح مع الحاج عبد الرحيم …
.. يضحك الحاج عبد الرحيم حتى تبرز اسنانه البيضاء الاماميه وهويقول بحنكة الرجل الذى ثقلته الايام .. وكأنه يريد ان يخرج الشيخ يوسف .. من ما اعتلاه من ألم .. حين ذكر ابنه عمر ..
….. خلاص بقــــه يا شـــيخ يوســـــــــف …..
… طيب أمــــــــرى لله ………
وأعتدل الشــــيخ يوسف فى جلســــته . وأخذ بعض الحصى بين يديه .. كأنه يتهيأ للحكـايـــــــة …..
…….. كنا فى اكتوبر .. والشـــتا هالل طرى .. نادانى الحاج أبو اســـماعين حســــانين .. جــــدك يا واد يا محمود .. الله يرحمه … وقال لى .. يا شـــيخ يوسف عاوزك تنزل انته ومحمد ابنى .. ابوك يا واد يا محمود .. تبيعوا الجاموســــة فى طنطــا .. فى ســوق الاثنين ….. وانتوا راجعين .. تجي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |